أ.د. ناصر بن سليمان العمر- المشرف العام على موقع المسلم
*الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:
(تتجه أنظار العالم صوب بغداد حابسة أنفاسها، تنتظر تلك الرصاصة التي سيطلقها بوش على رأس صدام حسين).
وبهذه البساطة المتناهية تدور أغلب التحليلات والمواقف والمقالات تجاه تلك المؤامرة الكبرى على العراق أولاً، وعلى بلاد المسلمين ثانياً وثالثاً.
ومساهمةً في توضيح الصورة التي يراد لنا أن نراها على غير حقيقتها، وقياماً بالواجب الشرعي كتبت هذه السطور، لندرك الحقيقة قبل فوات الأوان، وقبل أن نبكي مثل النساء حقاً مضاعاً لم نحافظ عليه مثل الرجال، وعلى الباغي تدور الدوائر.
(( ويلٌ للعرب من شر قد اقترب )) (1) .
ثم أقول مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، سائلا إياه التوفيق والسداد:
أولاً: من الخطأ بل من السذاجة المتناهية أن نتصور أن المعركة بين صدّام حسين وبين بوش، أو بين النظام البعثي في العراق وبين الحكومة في أمريكا، إن هذا التحليل مع ما يحمله من غفلة وحماقة، قد يجر إلى السلبية القاتلة نحو ما سيجري هناك، بل قد يدفع البعض إلى أن يضع يده في يد أمريكا، أملاً وطمعاً في التخلص من صدّام وحزبه الذي جرّ على الأُمّة ويلاتٍ ونكبات.
إن حقيقة المعركة تتمثل في أهداف أمريكا تجاه العالم الإسلامي فهي حلقة من سلسلة الحروب الصليبية التي أعلنها بوش وبدون مُوارَبَة في العام الماضي، فقد أعلن أن معركته الأولى في أفغانستان والثانية في العراق وهلمّ جَرّا.
والذي ينكر هذه الحقيقة أو يتجاهلها فهو كمن ينكر أن أمريكا هي التي دمّرت أفغانستان، وجاءت بحكومة عميلة هزيلة، لا يستطيع رئيسها أن يخرج من بيته إلا بحراسة أمريكية خوفاً عليه من شعبه، ومن أقرب المقربين إليه.
إن الذي يجري الآن نحو العراق حلقة أخرى من حلقات المؤامرة الكبرى التي بدأتها أمريكا قبل حرب الخليج الثانية، بل قبل حرب الخليج الأولى حيث استخدمت العراق لضرب إيران وتفكيك قواها وبخاصة بعد ثورة الرافضة مباشرة وقيام دولتهم، فقد خشيت أمريكا من أن يفلت الزمام من يدها فكانت تلك الحرب الطاحنة التي استمرت أكثر من ثمان سنوات دفع ثمنها العراق ودول الخليج قبل إيران، أتت على الأخضر واليابس، وأوهنت القوى، وزادت الجراح، وأنضبت الموارد (2) .
وقد ظهرت في الآونة الأخيرة وثائق تثبت تورط أمريكا في تلك الحرب، ودعمها المباشر ومن خلال عملائها وحلفائها للعراق، من أجل تحقيق الهدف الأول ضمن استراتيجيتها الطويلة البعيدة المدى.
ثم جاءت حرب الخليج الثانية التي تداعت فيها الأمم على العراق بحجة إخراجه من الكويت وإقامة العدل وإعادة الحق إلى نصابه، فكانت تلك الكارثة التي لم يسلم من شرها لا الظالم ولا المظلوم وذلك بقيادة أمريكا ومن أجل تحقيق أهدافها التي لم تعد سراً.
مع أنني أعتبر أنّ غزو الكويت من أعظم الظلم والبغي والفساد في الأرض، وأن صدّام هو السبب المباشر لكل ما حدث وهذه قناعة أعلنتها في وقتها، مع ذلك فتلك الحقيقة شيء وما أنا بصدده الآن شيء آخر لا تلازم بينهما، فلا يتوقع من أمريكا أن تأتي بعد صدام إلاّ بصدام آخر ولكنه مستنسخ من بوش.
والمستجير بـ(بوش) عند كربته ** كالمستجير من الرمضاء بالنار!
حقق الغرب الصليبي من خلال حرب الخليج الثانية أهدافاً استراتيجية كبرى التقت فيها مصالح اليهود مع مصالح الصليبيين، وهاهي تلتقي مرة أخرى ضمن مخطّطٍ رهيبٍ في معركة طويلة يكون العراق في أول قائمتها كما أعلنوا.
ولئن كانت إدارة بوش تردد الحديث عن خطورة نظام صدام وخطورة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وتتعمد إثارة البلبلة الإعلامية حول خططها الحربية العسكرية وتوقيتها، فإنه من الأهمية التساؤل عن مبرر إثارة هذه القضيّة الآن وفي هذا التوقيت بالذات؟ أليس العدو الصهيوني يمتلك ترسانة من الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل أكثر مما يملك العراق؟
ألم تترك إدارة بوش الأب نظام بغداد دون الإجهاز عليه مع توافر الإمكانية القصوى لذلك. ومع وجود قدرات عسكرية للعراق أكثر مما هي عليه الآن؟ ألم تبتز الإدارة الأمريكية المنطقة بالإبقاء على نظام صدام رغم مخاطره التي يتحدثون عنها طوال العقد الماضي؟ فلماذا لآن؟
إن الذي يظهر من التسريبات الصحفية والأجواء العالمية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يشير إلى أن القضية أبعد من إسقاط نظام صدام أو حتى التحكم في منتوجاته النفطية على أهمية ذلك.
إن الهدف الأكبر هو إيجاد نظام بديل أكثر طواعية وعمالة، يكون صنيعة أمريكية بحتة، سواءً بالأسلوب العسكري أو الأمني الاستخباري، وهذا بدوره سوف يدخل المنطقة بل العالم في طور جديد من النفوذ الأمريكي إذا سمح له أن يمر دون مقاومة.